بينما تراهن غالبية المؤسسات المالية على تثبيت أسعار الفائدة، تتبنى «سيتاديل» سيناريو رفع مفاجئ لكبح التضخم .. والأسواق تترقب انعكاسات القرار على الذهب والنفط والدولار وسياسات البنوك المركزية العالمية
واشنطن - أ.ق.ت - كتب/ فادى لبيب : تتجه أنظار المستثمرين والأسواق المالية العالمية إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (Federal Reserve) المقرر عقده غداً الأربعاء، في وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية ...
بعد أن طرحت مؤسسة Citadel Securities توقعاً مغايراً لإجماع السوق، يرجح إقدام الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة بصورة مفاجئة، في خطوة تستهدف احتواء الضغوط التضخمية المتجددة الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار قوة سوق العمل.ويأتي هذا الطرح في وقت كانت فيه الأسواق تستعد على نطاق واسع لقرار بتثبيت أسعار الفائدة، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير احتمالات السياسة النقدية وسط مخاوف من أن يكون التضخم أكثر صلابة مما كانت تشير إليه التقديرات السابقة.
«سيتاديل»: مخاطر التضخم لم تنتهِ
ترى Citadel Securities أن استمرار ارتفاع أسعار النفط والطاقة، إلى جانب قوة سوق العمل الأمريكية ونمو الأجور بمعدلات تفوق المستويات المتوافقة مع مستهدف التضخم البالغ 2%، قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى اتخاذ قرار استباقي برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس.
وبحسب هذا السيناريو، فإن البنك المركزي الأمريكي قد يفضل التحرك مبكراً للحفاظ على مصداقيته في مكافحة التضخم، بدلاً من المخاطرة بعودة موجة تضخمية جديدة يصعب احتواؤها لاحقاً، خاصة إذا انتقلت زيادات أسعار الطاقة إلى تكاليف الإنتاج والخدمات وأسعار المستهلكين.
إجماع السوق لا يزال يميل إلى التثبيت
في المقابل، لا تزال غالبية البنوك الاستثمارية ومديري الأصول العالميين يرجحون تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع الحالي، استناداً إلى تباطؤ نسبي في بعض مؤشرات التضخم، وظهور إشارات على اعتدال وتيرة النمو الاقتصادي مقارنة بالعام الماضي.
ويرى هؤلاء أن الاحتياطي الفيدرالي قد يفضل انتظار المزيد من البيانات الاقتصادية قبل اتخاذ أي خطوة جديدة، خاصة في ظل المخاطر المرتبطة بتباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي.
ورغم ذلك، فإن عدداً متزايداً من المحللين يؤكد أن اجتماع هذا الأسبوع يعد من أكثر الاجتماعات انقساماً خلال العام، مع ارتفاع احتمالات حدوث مفاجأة في القرار أو في لهجة البيان المصاحب.
الذهب أمام اختبار جديد
يُعد الذهب من أكثر الأصول حساسية لقرارات السياسة النقدية الأمريكية، إذ يؤدي رفع أسعار الفائدة عادة إلى تعزيز قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وهو ما يقلص جاذبية المعدن النفيس الذي لا يدر عائداً.
وفي حال جاء القرار برفع الفائدة، فمن المرجح أن تتعرض أسعار الذهب لضغوط بيعية فورية، إلا أن بعض المحللين يرون أن المخاوف من تباطؤ الاقتصاد الأمريكي قد تدفع المستثمرين لاحقاً إلى العودة نحو الذهب باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة.
النفط بين التضخم وتباطؤ النمو
قد يحمل أي تشديد إضافي في السياسة النقدية الأمريكية تأثيراً مزدوجاً على سوق النفط.
فمن ناحية، يؤدي ارتفاع تكلفة الاقتراض إلى إبطاء النشاط الاقتصادي العالمي، بما ينعكس على الطلب على الطاقة. ومن ناحية أخرى، فإن استمرار التوترات الجيوسياسية ومحدودية الإمدادات قد يحدان من أي تراجع كبير في أسعار الخام، لتظل الأسواق النفطية خاضعة لتوازن معقد بين عوامل العرض والطلب.
الدولار يترقب .. والأسهم قد تواجه ضغوطاً
أي قرار برفع الفائدة من شأنه أن يمنح الدولار الأمريكي دفعة قوية أمام العملات الرئيسية، في الوقت الذي قد ترتفع فيه عوائد سندات الخزانة الأمريكية.
وفي المقابل، قد تواجه أسواق الأسهم العالمية موجة من الضغوط، خاصة أسهم التكنولوجيا والشركات ذات معدلات النمو المرتفعة، نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل وتراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
ماذا يعني القرار للبنوك المركزية الكبرى؟
لا تقتصر أهمية قرار الاحتياطي الفيدرالي على الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل تمتد تأثيراته إلى السياسة النقدية العالمية.
فإذا اتجه الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة، فقد تجد بنوك مركزية كبرى، مثل البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك كندا والبنك الاحتياطي الأسترالي، نفسها مضطرة إلى الإبقاء على سياسات نقدية متشددة لفترة أطول، أو تأجيل أي خطط لخفض الفائدة، حفاظاً على استقرار العملات والحد من الضغوط التضخمية المستوردة.
كما قد تواجه الاقتصادات الناشئة ضغوطاً إضافية على عملاتها وأسواق الدين، وهو ما قد يدفع عدداً من البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة رغم تباطؤ النمو.
الأسواق تترقب الرسائل أكثر من القرار
ويرى محللون أن أهمية الاجتماع لن تقتصر على قرار الفائدة وحده، بل ستمتد إلى البيان الرسمي والمؤتمر الصحفي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي، حيث ستسعى الأسواق إلى استشراف توجهات البنك المركزي خلال الاجتماعات المقبلة.
وفي حال قرر الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة مع تبني لهجة متشددة، فقد تكون ردود فعل الأسواق قريبة من سيناريو الرفع، بينما قد يؤدي رفع الفائدة فعلياً إلى إعادة تسعير واسعة للأصول المالية العالمية.
فالرغم استمرار ترجيحات السوق بتثبيت أسعار الفائدة، فإن توقع Citadel Securities برفعها بصورة مفاجئة أعاد سيناريو التشديد النقدي إلى صدارة المشهد، في ظل استمرار الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة وقوة سوق العمل.
ومع اقتراب موعد إعلان القرار، تبقى الأسواق العالمية في حالة ترقب غير مسبوقة، إذ لن يحدد اجتماع الاحتياطي الفيدرالي اتجاه أسعار الفائدة الأمريكية فحسب، بل قد يرسم أيضاً ملامح حركة الذهب والنفط والدولار وأسواق الأسهم، ويؤثر في قرارات البنوك المركزية الكبرى خلال الأشهر المتبقية من عام 2026.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق